الأربعاء، 6 يوليو 2011

المشروع الصهيونى


د. محسن محمد صالح

الأستاذ المشارك في الدراسات الفلسطينية

وتاريخ العرب الحديث

جذور ظهور المشروع الصهيوني

لقد بدأت معالم مشروع إنشاء الدولة اليهودية على أرض فلسطين بالاتضاح وفق برنامج ورؤية محددة عندما أنشأ اليهود بقيادة ثيودور هرتزل المنظمة الصهيونية العالمية في بال بسويسرا، في 27-29 أغسطس لعام 1897، حيث انعقد مؤتمرها الأول، وقرر العمل على إنشاء هذه الدولة.

تُرى؟ ما الذي جعل اليهود ينتبهون لأنفسهم فجأة، في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي ليبدءوا السعي لإنشاء كيانهم الغاصب في فلسطين؟ ما الذي دفعهم إلى العمل السياسي المبرمج بعد أن انقطعت صلتهم عملياً بفلسطين منذ سنة 132م، أي قبل ذلك بألف و 800 عام تقريباً؟، ولم يبق من الذكرى سوى تاريخ مضطرب مشوش إلى جانب الشعوب والحضارات العظيمة التي حكمت المنطقة، ولم يسكن هذه الأرض قبلهم سوى أقلية قليلة لا يؤبه لها عاشت كغيرها من الطوائف في ظل التسامح الإسلامي. بل، وما الذي يدفع يهود الخزر "الأشكناز"، وهم 80% من يهود العالم في عصرنا، إلى التفكير في فلسطين دولة ووطناً، وهم لا يرتبطون بها تاريخياً على الإطلاق، فلا هم من أحفاد بني إسرائيل القدامى، ولا هم سكنوا هذه الأرض أو استوطنوها قبل ذلك أبداً؟!وذلك حسبما تشير دراسات عدد من الباحثين اليهود أنفسهم أمثال آرثر كوستلر وغيرهم. ويبرز تساؤل آخر عن كيفية تحول عقلية اليهود الذي كانوا يؤمنون طوال الفترة الماضية أنهم استحقوا الشتات بسبب خطاياهم، وأن عليهم انتظار قدوم المسيح الخاص بهم "الماشيح"، أو "المسيا"، وعند ذلك يجوز لهم الذهاب والاستقرار في فلسطين لإقامة كيانهم؟

إنه لا يمكن توضيح كل ذلك إلا بفهم عدد من التحولات الهامة التي حدثت في التاريخ الأوروبي الحديث خصوصاً منذ مطلع القرن السادس عشر الميلادي، وكان أبرزها:

1. ظهور البروتستانتية وانتشار "الصهيونية غير اليهودية"[58]: فقد أحدثت البروتستانتية بوصفها حركة إصلاح ديني بعثاً للفكر العبري اليهودي، عندما ركزت على الإيمان بالعهد القديم "التوراة"، والإيمان بأن اليهود سيُجمعون في فلسطين من جديد للإعداد لعودة المسيح المنتظر، الذي سيقوم بتنصيرهم، وبالتالي يبدأ عهد يمتد لألف سنة من السعادة.

وقد تطور الاهتمام بالتوراة بين البروتستانت (الذين شكلوا أغلبية السكان في بريطانيا والولايات المتحدة وهولندا ونصف سكان ألمانيا. . )، باعتبارها كلمة الله والمرجع الأعلى للسلوك والاعتقاد. ومن خلال قراءتهم للتوراة التي طبعت ونشرت بكل اللغات الأوروبية ارتبطت فلسطين في الأذهان بكونها "أرض الشعب المختار "اليهود"، وأصبح اليهود بالنسبة إليهم هم " الفلسطينيون" الغرباء الموجودون في أوروبا؟!، وفي سنة 1621 ظهر أول كتاب معروف في بريطانيا حول توطين اليهود في فلسطين لمؤلفه البريطاني السير هنري فنش، H. Finch بعنوان البعث العالمي الكبير أو عودة اليهود.

وقد تكرس هذا الأمر في عقائد الأوروبيين وفكرهم وأدبهم وفنهم، وظهر في كتابات مشاهيرهم أمثال: مارتن لوثر M. Luther ( 1483- 1546)، وإسحاق نيوتن I. Newton (1643- 1727)، وجان جاك روسوJ. Rousseau (1712-1778)، وبريستلي J. Priestly (1733- 1804)، وغيرهم. وهذا أصبحت فكرة ضرورة إعادة فلسطين لما يسمى أصحابها "اليهود" شائعة.

وقد ظهرت انعكاسات هذه الفكرة (فضلاً عن الروح الصليبية)، في أذهان القادة البريطانيين السياسيين والعسكريين الذين تولوا احتلال فلسطين 1917- 1918، وإعطاء وعد لليهود بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين من أمثال رئيس الوزراء لويد جورج، وملك بريطانيا جورج الخامس وقائد القوات البريطانية التي احتلت فلسطين اللنبي، وعَدَّت شخصيات بريطانية نفسها بمثابة "الأداة التي أرسلها الرب لتحقيق الوعد وإرجاع الأرض المقدسة إلى بني إسرائيل".

وهذا ما يعرف بالصهيونية غير اليهودية، حيث وجدت الفكرة الصهيونية أرضاً خصبة وبيئة مناسبة واستعداداً شعبياً وسط مسيحيي أوروبا خصوصاً البروتستانت لقبولها ونموها وتحققها.

2. التغيرات السياسية في أنظمة الحكم الأوروبية: خدمت الثورةُ الفرنسية (ضد الحكم الملكي سنة 1789) اليهودَ بشكل مباشر وغير مباشر. فقد أخذت تتغير طريقة تعامل أنظمة الحكم الأوروبي مع اليهود الذين كانوا يُعاملون باستحقار أو كفئة من الدرجة الثانية، ويسكنون في أحياء خاصة بهم "جيتو". فشهد القرن التاسع عشر في أوروبا الغربية والوسطى عملية "تحرير" لليهود، وتحطيم أنظمة الجيتو، ومعاملة اليهود كمواطنين كاملي الأهلية و الحقوق بشكل مساو للآخرين. وانعكس ذلك إيجاباً على قدرة اليهود في اختراق هذه المجتمعات، وتحسين مكانتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

وتأثر اليهود منذ أواخر القرن الثامن عشر بما يعرف بحركة الاستنارة "الهسكلا"، في أوساطهم. وكان أبرز مُنظِّريها موسى مندلسون M. Mendelssohn (1726- 1786)، وهوفيلسوف يهودي ألماني. وقد دعت هذه الحركة إلى أن يحاول اليهود الحصول على حقوقهم المدنية كاملة عن طريق الاندماج في المجتمعات التي يعيشون في وسطها، ويكون الولاء للبلاد التي ينتمون إليها وليس "لقوميتهم الدينية". ويرون أن ذلك ممكن بفصل الدين اليهودي عن القومية اليهودية، حتى تتلاءم مع الأنظمة العلمانية في أوروبا. وقد استمرت هذه الحركة قوية حتى 1880، وأسهمت من جهتها في إنهاء أنظمة الجيتو، والانعزالية اليهودية، والاستفادة من الإمكانات الأوروبية المتاحة، وزيادة النفوذ اليهودي[59].

وفوق ذلك فقد تمكن اليهود من خلال سيطرتهم على المنظمات الماسونية من ضمان قدر أكبر من النفوذ على رجال السياسة والاقتصاد والإعلام في عدد من البلدان مثل بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة. بل وتمكن يهود الدونمة من اختراق المؤسسات العثمانية والسيطرة على حزب الاتحاد والترقي الذي قام بإسقاط السلطان عبد الحميد الثاني، وتسبب بشكل كبير في إنهاء الطابع الإسلامي للدولة العثمانية، بل وإلغاء الخلافة نفسها فيما بعد.

3. انتشار الظاهرة القومية في أوروبا: فقد انتشرت الحركات القومية في أوروبا وأصبح كل مجتمع أوروبي يؤكد على قوميته الخاصة ويبرز مزاياها، واختلافها عن الآخرين، فتوحَّد الألمان تحت زعامة بسمارك، وتوحَّد الإيطاليون تحت زعامة كافور، وركزت القوميات الألمانية والسلافية (الروسية خصوصاً) على الروابط العضوية، وكانت ترى تميّزها عن غيرها والاختلافات - وليس المساواة - مسألة جوهرية، وبالتالي صنف اليهود في ألمانيا والمناطق السلافية في أوروبا الشرقية وروسيا على أنهم "أغيار" غرباء مما منع من فرص اندماجهم. وقد زاد من تفاقم الوضع تضاعف أعداد السكان اليهود خصوصاً في أوروبا الشرقية (بولندا بالذات)، بشكل طرح مشكلة الفائض السكاني اليهودي وإمكانية استيعابه. وقد خدمت الظاهرة القومية في أوروبا الفكرة الصهيونية في اتجاهين

الأول: أن اليهود أنفسهم أخذوا يتساءلون عن كيفية تحقيق هويتهم القومية، ووجدوا أن هذا غير ممكن ما لم يتجمعوا من شتاتهم على أرض محددة "فلسطين"، حتى تكتمل مواصفات دولتهم القومية، لأنهم وضعهم في أوروبا هو وضع "شعب بلا أرض".

الثاني: أسهمت ظاهرة القومية في فشل حركة الهسكلا "التنوير" أو الاندماج في أوروبا الشرقية، مما شجع اليهود على البحث عن بدائل أخرى، سواء بالانكفاء على الذات وانتظار المخلص "المسيح المنتظر"، أو المشاركة في الحركات الثورية في سبيل تغيير الأوضاع، أو بالهجرة إلى أوروبا الغربية وأمريكا، أو بالسعي لتحقيق قوميتهم الخاصة.

4. ظهور "اللاسامية" ونشوء المشكلة اليهودية: وهي مرتبطة بالنقطة السابقة، إذ إن الوضع في روسيا أسهم بشكل أساسي في تفجير المشكلة اليهودية ، فلم يتفاعل يهود روسيا كثيراً مع حركة التنوير "الهسكلا"، وقاوموا عمليات الدمج والتحديث الروسية التي تميزت بالفوقية، والتي نفذت عن طريق القسر والإرهاب، والتي لم تعتمد المساواة أساساً لإنهاء انعزالية اليهود وحياة الجيتو. ثم إن الطبيعة اليهودية المحافظة المتشككة أسهمت في تفاقم الوضع هناك. كما أن مشاركة اليهود بفاعلية في قيادة الحركات الثورية اليسارية زادت من عداء السلطات القيصرية الملكية الروسية ضدهم، وانفجرت العداوة ضدهم بشكل مكشوف إثر اغتيال قيصر روسيا الكسندر الثاني سنة 1881، والتي اتهم فيها اليهود. فبدأت موجة من الإجراءات العديدة القاسية ضد اليهود سميت اللاسامية، أي توجيه العداء لليهود لكونهم ينتمون إلى العرق السامي، وصاحب هذه الإجراءات أحياناً أحداث دموية، مثل مذابح كيشينيف، ومن أمثلة القوانين التي أخذت تصدر تباعاً: حق السكان الروس في طرد اليهود من قراهم، واليهودي الذي يغادر قريته لا يسمح له بالعودة، ومنع تشغيل اليهود في المناطق الريفية، واليهودي الذي يهجر مهنته للعمل في التجارة يسقط حق إقامته في روسيا، وتحريم إقامة اليهود في موسكو، وحرمان اليهود من حق الانتخاب والترشيح لمجالس البلديات. وقد أدى كل ذلك إلى ظهور ما يعرف بـ" المشكلة اليهودية"، إذ إن ملايين اليهود أصبحوا يبحثون عن فرصة للخلاص مما هم فيه، كما تمكنوا من تحويل عواطف يهود أوروبا الغربية وأمريكا نحوهم، وبدأت أعداد هائلة من اليهود في الهجرة إلى أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية والجنوبية[60].

وبلغ عدد اليهود الذين تركوا بلدانهم الأصلية (خصوصاً روسيا وأوروبا الشرقية)، خلال الفترات 1881- 1914، نحو مليونين و 367 ألفاً، تمكن 28 ألفاً منهم من النفاذ إلى فلسطين، رغم الإجراءات العثمانية لكبح هجرتهم[61]. ووجدت الحركة الصهيونية في هذه الأجواء فرصة خصبة للعمل بالدعوة إلى أنه لا يمكن حل مشكلة اليهود بمجرد الهروب منها (الهجرة)، و لكن الحل الجذري يكمن في إقامة كيان آمن مستقل يحكمه اليهود أنفسهم، و أيدت أوروبا الغربية هذه الفكرة تخفيفاً من عبء الهجرة اليهودية إلى أرضها، واستجابة لعواطفها الدينية البروتستانتية، وتحقيقاً لأهداف سياسية واستراتيجية أخرى.

وعلى ذلك فإن العداء لليهود في أوروبا أسهم بشكل لا يقل عن العواطف المؤيدة لليهود في تأسيس الحركة الصهيونية، لأنه أوجد مشكلة فعلية يجب السعي مباشرة وبسرعة لحلها، وقد تمكن اليهود من استثمار ذلك بشكل كبير، وكان على أهل فلسطين والعالم الإسلامية أن يدفعوا فاتورة مشاكل اليهود ومعاناتهم في أوروبا؟!!

5. بروز العوامل الاستراتيجية والسياسية: كان نابليون بونابرت N. Bonaparte (1769- 1821) أول رجل دولة يقترح إقامة دولة يهودية في فلسطين سنة 1799، وذلك في أثناء حملته المشهورة على مصر، وبمناسبة هجومه على فلسطين وحصار عكا. ورغم أن نص البيان الذي أصدره لليهود تهيمن عليه الروح الدينية، إلا أن بعض الباحثين يرون أن ذلك كان ينسجم مع اهتمامه السياسي في الاستفادة من اليهود في خططه الاستعمارية[62]. وقد فتحت حملة نابليون على مصر وفلسطين عيون بريطانيا على المنطقة فافتتحت قنصلية لها في القدس، كلفتها بتوفير الحماية لليهود بشكل عام وليس لليهود البريطانيين فقط[63]. وعندما تمكنت بريطانيا من السيطرة على قبرص 1878 وعلى مصر 1882 أصبحت الدولة الاستعمارية الوحيدة التي لها قواعد في شرق البحر المتوسط، وكان لقناة السويس أهمية كبرى كشريان حيوي للمواصلات البريطانية مع مستعمراتها في الهند وجنوب شرق آسيا وغيرها، وخشية من بروز خطر إسلامي على هذه المصالح أو قدوم أي استعمار منافس (فرنسي، ألماني، روسي..) إلى المنطقة، ظهرت أهمية احتلال فلسطين لتأمين الجناح الشرقي لقناة السويس وقد أشار إلى الجانب الاستراتيجي عدد من قادتهم ومفكريهم وكتابهم، من أمثال كتشنر، وكيرزون، ولويد جورج، وثومبسون[64].

6. فكرة الدولة الحاجزة وإضعاف العالم الإسلامي وإبقائه مفككاً: وهي مرتبطة بالنقطة السابقة لما لهذا الأمر من أهمية استراتيجية كبرى لدى الدوائر الغربية، لكننا وضعناها في نقطة منفصلة لأن لها أبعاداً دينية وتاريخية وحضارية.

فقد عاش العالم الإسلامي وأوروبا المسيحية ثلاثة عشر قرناً من الصراع والتنافس والحروب، سواء كان ذلك على الجبهة الإسلامية البيزنطية، أو الحروب الصليبية، أو الصراع على الأندلس (إسبانيا والبرتغال)، أو الصراع العثماني الأوروبي، وبشكل عام كانت الكفة راجحة بأيدي المسلمين طوال أحد عشر قرناً، وكان الأوروبيون لا يكادون يفرحون بسقوط دولة مسلمة إلا وتظهر مكانها دولة أشد قوة، وما كانوا يسددون ضربة للعالم الإسلامي، إلا ويجدون أن المسلمين يستوعبون الصدمة ويقومون بحيوية متميزة برد الصاع صاعين وتحقيق نجاحات أكبر. فما أن انتهت دولة الراشدين التي فتحت الشام ومصر وأرمينيا من أيدي النصارى، حتى قامت الدولة الأموية التي فتحت شمال إفريقيا والأندلس وجنوب فرنسا. وبعد قيام الدولة العباسية تم فتح صقلية، واستوعب المسلمون صدمة الحروب الصليبية فقامت الدول النورية والأيوبية والمملوكية بتدمير الصليبيين ودحرهم. وجاء العثمانيون ليفتحوا آسيا الصغرى (الأناضول) والقسطنطينية، وليسقطوا الامبراطورية البيزنطية، ويفتحوا بلاد شرق أوروبا مما بدا رداً عملياً على سقوط الأندلس، وإبرازاً للحيوية الإسلامية المتدفقة، والتي ظلت على أَلَقها وريادتها حتى القرن الثامن عشر.

لقد كان هناك دائماً دولة للمسلمين تكون القوة الأولى في العالم، أو أحد القوى الكبرى على الأقل، ويبدو أن الضعف العثماني وتفكك قوة المسلمين وتأخرهم الحضاري، خصوصاً في القرن التاسع عشر، قد أعطى الغرب الأوروبي المثقل برصيد تاريخي من الخصومة والعداء فرصةً ذهبية لا تعوض، فكان السؤال البارز هو كيفية ضمان ألا تظهر قوة إسلامية كبرى تحل مكان الدولة العثمانية حال سقوطها، وتهدد من جديد مصالح الغرب ومطامعه؟؟، ولذلك كانت هناك فكرة الدولة الحاجزة التي تغرس في قلب العالم الإسلامي وعند نقطة اتصال جناح العالم الإسلامي في آسيا بجناح العالم الإسلامي في إفريقيا، بحيث يفصل بينهما كيان غريب معاد يمنع أي وحدة أو نهضة إسلامية محتملة، ويكون رأس رمح لضرب أي نمو حضاري قوي في المنطقة. أو على الأقل فإنه سيشغل العالم الإسلامي بمشكلة طويلة معقدة تستنـزف طاقاته وجهوده وتبقيه إلى أبعد مدى ممكن في فلك التبعية والضعف و الحاجة للعالم الغربي. وكما سيكون الغرب بحاجة ماسة لهذا الكيان لخدمة هذه الأهداف، فإن هذا الكيان سيكون بدوره بحاجة ماسة للغرب لضمان وجوده ونموه واستمراره، مما يوجد علاقة تحالف استراتيجي راسخ بين الطرفين يكون شعارها ضمان ضعف وتفكك وتخلف العالم الإسلامي.

وقد تكرست فكرة الدولة الحاجزة في توصية مؤتمر لندن الاستعماري الذي عقد سراً في لندن خلال الفترة 1905- 1907، بدعوة من حزب المحافظين البريطاني واشتركت فيه مجموعة من كبار علماء التاريخ، والاجتماع والجغرافيا، والزراعة والبترول والاقتصاد، وناقش سبل تحقيق المصالح الغربية والهيمنة على المنطقة الإسلامية وغيرها. ورفع المؤتمر توصياته إلى رئيس الوزراء البريطاني آنذاك (كامبل بنرمان C. Bannerman) وقد أكد فيها أن إقامة حاجز بشري قوي وغريب في منطقة شرقي البحر المتوسط وعلى مقربة من قناة السويس، قوة عدوة لشعب المنطقة، وصديقة للدول الأوروبية ومصالحها، هو التنفيذ العملي العاجل للوسائل والسبل المقترحة[65].

وقد أدركت الحركة الصهيونية أن مشروعها في إنشاء دولة يهودية في فلسطين لن يكتب له النجاح إلا برعاية دولة كبرى وحمايتها، ولذلك عرضت مشروعها هذا في ضوء المصالح التي يمكن أن تجنيها القوى الاستعمارية الكبرى، وهو ما أكده رئيس المنظمة الصهيونية العالمية هرتزل لوزير المستعمرات البريطاني جوزيف تشمبرلن عندما التقاه سنة 1902 وقال له إن قاعدتنا يجب أن تكون في فلسطين، والتي يمكن أن تكون "دولة حاجزة" بحيث تؤمن المصالح البريطانية[66].

وهكذا، فإن تضافر العوامل السابقة مجتمعة هيأ الظروف المناسبة لبدء المشروع الصهيوني وإكسابه طبيعة عملية لينشأ بعد ذلك ما يعرف بـ"القضية الفلسطينية".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق